الجاحظ

190

المحاسن والأضداد

صلوات اللّه عليه » ؟ قالت : « بل صاحبة عبد الرحمن بن ملجم » . قال : « أليس هو قتل عليا » ؟ قالت : « بل مات بأجله » . قال : « واللّه إني كنت أحب أن أراك فلما رأيتك نبت عيني عنك ، وما ومقك قلبي ، ولا احلوليت في صدري » ، قالت : « أنت واللّه قصير القامة ، صغير الهامة ، ضعيف الدعامة » ، كما قيل : « لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه » . فأنشأ كثيّر يقول : رأت رجلا أودى السّفار بجسمه * فلم يبق إلّا منطق وجناجن قالت : « للّه درك ما عرفت إلّا بعزّة تقصيرا بك » ، قال : واللّه لقد سار لها شعري ، وطار بها ذكري ، وقرب من الخلفاء مجلسي ، وإنها لكما قلت فيها : وإن خفيت كانت لعينيك قرّة * وإن تبد يوما لم يعمّك عارها من الخفرات البيض لم تر شقوة * وفي الحسب المحض الرّفيع نجارها فما روضة بالحزن طيبة الثّرى * يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها « 1 » بأطيب من فيها إذا جئت طارقا * وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها « 2 » قالت : « واللّه ما سمعت شعرا أضعف من شعرك هذا ، واللّه لو فعل هذا بزنجية طاب ريحها . ألا قلت كما قال امرؤ القيس : ألم تر أني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب قال : « فللّه درّ بلادك » ، وخرج وهو يقول : الحقّ أبلج لا تزيغ سبيله * والحقّ يعرفه ذوو الألباب قال : وقال المسيب راوية كثيّر : انطلق كثيّر مرة فقال لي : « هل لك في عكرمة بن عبد الرحمن بن هشام » ؟ وهو يومئذ على حنظلة بن عمرو بن تميم ، فقلت : « نعم » ، قال : فخرجنا نريده حتى إذا صدرنا عن المدينة ،

--> ( 1 ) الجثجاث : نبات أصفر مر طيب الريح . ( 2 ) المندل : العود الطيب .